الخميس، 31 ديسمبر 2015

لم يكتمل شيئاً في اليمن منذ قيام الثورة

لم يكتمل شيئاً في اليمن منذ قيام الثورة

بقلم عامر محمد الضبياني

١٠ يناير ٢٠١٦م

صحيفة رأي اليوم
http://www.raialyoum.com/?p=371653

عندما نسترجع التاريخ إلى الخلف ونتابع الأحداث على مستوى الساحة اليمنية وبالتحديد منذ قيام الثورة المباركة في السادس والعشرين من سبتمبر ١٩٦٢م، نجد أن الثورة اليمنية بقيادة المشير السلال واجهت تحدياتً عدة منها أن دول الجوار وبالأخص المملكة العربية السعودية كانت تدعم الإماميين وتمولهم بالمال والسلاح والجند من أبناء القبائل والمشائخ المواليين لها في الشمال وذلك بهدف إفشال الثورة وإسقاط النظام الجمهوري وإعادة الحكم الملكي الإمامي الذي كان يتماشى مع نظام دولتهم وحكومتهم. وكل ذلك كان خوفاً من إمتداد الثورة في اليمن إلى مملكتهم، خصوصاً و إن الزعيم الراحل جمال عبدالناصر كان داعماً لثورة اليمن ضد الملكيين، وسعى جاهداً لإسقاط النظام الملكي في المملكة العربية السعودية، بهدف التحرر من الأنظمة العربية المستبدة، وتحقيق الوحدة العربية الشاملة من خلال مشروع القومية العربية، وإنهاء الحدود والفواصل بين الشعوب العربية التي وضعتها إتفاقية "سايكس-بيكو".

و ما أود الأشارة إليه الآن إلى أن الجمهورية اليمنية حينها كانت بأمَسّ الحاجة للمرونة مع الأشقاء بدول الجوار من خلال تطمينهم بحسن النية وإقامة وفتح العلاقات السياسية معهم لقطع الطريق على أعداء الثورة، وهذه هي الصفة التي كان يفتقد اليها الرئيس المشير عبدالله السلال والذي عرف أثناء فترة حكمه بانه كان عسكرياً صارماً، وثائراً شجاعاً لايهتم بما ستؤل اليه العواقب بقدر ما كان يهمه نجاح الثورة والمضي قدما لبناء الدولة اليمنية الجديدة القائمة على النظام الجمهوري.
وفي هذه الضروف نجد أن اليمن كانت بالحاجة الى تلقائد المتكامل والرئيس القادر على مص غصب الأشقاء والأعداء من خلال تقريب وجهات النظر والتعامل بسياسة المرونة والاعتدال خصوصا مع حكام الجارة السعودية من خلال فتح العلاقات السياسية بين البلدين، وعندها قرر مجموعة من الثوار اسموا أنفسهم حينها "حركة 5 نوفمبر" بالعمل على أنقلاب سلمي على المشير السلال أثناء ما كان مسافر خارج الوطن في مهمة رسمية الى دولة العراق وكلفوا القاضي عبدالرحمن الارياني خلفا له رئيسا للجمهورية.

اليمن وبعد أن أنهكت بالحروب وعانت من محاولة وإصرار الإماميين للانقضاض على الجمهورية، والذين فرضوا عليها حصاراً خانقاً في صنعاء وسمي حينها بحصار السبعين وكادوا ان ينجحوا في أسقاط العاصمة لولا صمود الشرفاء والمخلصين من أبناء الوطن، ادرك اليمنيون حينها بضرورة التواصل مع الأشقاء في المملكة العربية السعودية، فسعى الرئيس الارياني الى فتح العلاقات السياسية بين البلدين وعمل على تقريب وجهات النظر من خلال تطمين الجارة السعودية بعدم وجود اي مخططات تستهدف حكامها ونظامها. وبهذا انتزعت اليمن اعترافاً صريحاً من الملك فيصل بن عبدالعزيز بقيام الجمهورية اليمنية، بل ووجه حكومة بلده لدعم الخزينة العامة للدولة اليمنية ورفدها بملايين الريالات مقابل توقيع عدد من الأتفاقيات المشتركة بين البلدين منها الموافقة والاعتراف بما جاء في معاهدة الطائف والتي أبرمت مع الامام يحيى ونصت على تخلي اليمن من المطالبة بأستعادة مناطق نجران وجيزان وعسير وإعتبار تلك المناطق أراضي سعودية.

هنا وبعد مرور سبع سنوات من حكم الرئيس الارياني أدرك مجموعة من الضباط الأحرار بإن سياسة الإرياني ومرونته المفرطة قد جعلت اليمن تحت الوصاية السعودية بل وأن الجمهورية وخلال كل هذه السنوات لم تحقق أهداف الثورة ولم يسمح لها ببناء الجيش الوطني القوي او تحقق التنمية الشاملة لعدم توفر الكفاءة والنزاهة في صناع القرار وأنصياعهم للخارج، الأمر الذي جعل هؤلاء الضباط يخططوا للإنقلابٍ على الرئيس وإجبارخ على تقديم أستقالته لحركة الضباط الأحرار والتي عرفت حينها بحركة ال "13 من يونيو" وبعدها مباشرةً كلف الرائد ابراهيم محمد الحمدي رئيساً للجمهورية اليمنية، وتولى مقاليد الحكم لانه وبكل بساطه أحد أبرز أعضاء الحركة وقائداً أعلى للقوات المسلحة والامن.

ويتعبر الرئيس الحمدي هو القائد الذي كان يفتقده اليمن ويبحث عنه طيلة كل هذه السنوات لكفائته ونزاهته ونشاطه وحيويته، فقد شهدت البلاد تصحيحا ماليا وادرايا في عهده، ونقلة نوعية في مجال الطرقات والمشاريع والتنمية ولكن سرعان ماتراجعت السياسة الخارجية لليمن بسبب أنه أرتكب خطا فادحا في تجاهل العدو الصديق والذي بالكاد أنشاء معه الرئيس الارياني علاقاته السياسية بعد جهدا كبير وعناء طويل أعتبرها الحمدي أنذاك تنازلات لايجب السكوت عنها، مواصلاً عمله الدؤوب في الدفع بعجلة التنمية للأمام في ضل مؤامرة تحاك من خارج الوطن وتنفذ بأيدي رفقائه ليسقط قتيلاً بمسدس نائبه ورئيس هيئة اركانه الذي ما لبث أن أستمر في الحكم شهوراً لينال جزاءه على يد أنتحاري ارسله رئيس دولة الجنوب حينها أنتقاما للشهيد الراحل إبراهيم الحمدي.

وبعد هذه الأحداث الدامية شهدت اليمن أنفلات أمني منقطع النظير وحالة من الهلع والفوضى لدى الحكومة والعامة سواء المواطن العادي او الرئيس الانتقالي القاضي عبدالكريم العرشي والذي عرض القيادة على قائد لواء تعز المقدم علي عبدالله صالح وسرعان ماقبل الاخير بالعرض وتولى منصب رئيس الجمهورية في الوقت الذي رفضه الكثيرون بسبب خوفهم من المصير الذي سبق من قبلهم بالاشارة الى الحمدي والغشمي.

ذلك المواطن البسيط والجندي علي عبدالله صالح، الذي التحق بالسلك العسكري لخدمة الوطن وتقلد العديد من المناصب القيادية في تعز لحنكته وقدرته في لفت انتباه رؤسائه وجذب الاخرين إليه، أصبح رئيسا شرعيا للجمهورية اليمنية وبدأ يمارس سياسته الفريدة المعروفة "بالدهاء السياسي" لينقذ اليمن من السقوط والانهيار عبر تحالفات مع القادة العسكريين المواليين له والقبائل لتثبيت الامن والاستقرار وبسط هيبة الدولة في جميع إنحاء الجمهورية وحقق خلال فترة حكمه العديد من الانجازات منها تحقيق الوحدة بين شرطي اليمن وإستمر على كرسي السلطة قرابة الثلاثة والثلاثين عاما.

ولتردي الاوضاع الاقتصادية في اليمن وانتشار البطالة والفقر وظاهرة الفساد قام مئات الالاف من الشباب في مطلع العام ٢٠١١م بثورة سلمية ضد الرئيس صالح استنساخا من ثورات الربيع العربي، والذي سرعان مااستسلم صالح وسلم السلطة لنائبه عبدربه منصور هادي ليتولى الرئاسة ويقود المرحلة الانتقالية والذي عاش اليمنيون خلال فترة حكمه اسوء الضروف ومر اليمن بمنعطفات خطيرة وحروب كثيرة امتدت من اطرافه الى اطرافه بسبب فشلة في أدارة شؤون البلاد وعدم قدرته على ضبط الامور.

هنا وبعد أن سردنا كل هذه الاحداث أدركنا بإن كل من تولى اليمن لم يكن مكتمل الصفات وكان يفتقد لبعض منها، فمثلا الرئيس السلال كان شجاعاً صارماً ويفتقد للمرونة والدهاء في الوقت الذي اتصف القاضي عبدالرحمن الارياني بالمرونة والانفتاح وأفتقد للحزم والجزم ليأتي بعده الرائد إبراهيم الحمدي صاحب النفس الكريمة والذي عرف بنزاهته وحيوته ونشاطه ليقطع علاقته بالخارج وينفرد بأتخاذ القرار ويقتل مغدورا بيد زميله ورئيس اركانه الذي مالبث بعده عدة أشهر ليلحق به، تاركا السلطة لفراغ كبير كاد ذلك الفراغ أن يعصف باليمن لولا دهاء الرئيس علي عبدالله صالح ليحكم أكثر منهم جميعا وسقوطه أخيراً قبل اربع سنوات بسبب تقصيره في مكافحة الفساد وعدم الاهتمام بالجوانب الاقتصادية والتنموية ليخلفه رئيساً رهن كل قرارته للخارج وخيب آمال الجميع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق